الشيخ عبد الغني النابلسي

37

كتاب الوجود

جواز التأثير في القديم « 1 » ، كيف وهم قائلون بأن صفات اللّه تعالى واجبة بذاته تعالى ، فذاته تعالى أوجبت وجوبها ، وهذا تأثير من ذاته تعالى فيها وأيضا هم يقولون إن ذاته تعالى علة تامة لوجوده سبحانه ، والعلة لا تكون بدون تأثير ، فثبت جواز التأثير في القديم عندهم » « 2 » انتهى . [ الحاجة إلى الوجود ] وصل : اعلم أن جميع الحوادث والمحسوسات المعقولات والموهومات والمتخيلات ممن كان وما يكون ما هو كائن إلى الأبد ، ما قام وثبت بنفسه ، ولا يقوم ويثبت بنفسه ، ولا هو قائم وثابت بنفسه ، وإنما هو محتاج ومفتقر إلى الوجود ليقوم ويثبت به كما هو مشاهد معلوم ، ووجوده الذي هو قائم وثابت به مشاهد معلوم بديهي ، والخلق والتقدير والتصوير والتكوين ، إنما هو واقع على جميع الحوادث المذكورة ، لا على ذلك الوجود الذي هو قيوم مثبت لجميع الحوادث كما ذكرنا . ولا يصح أن يكون الوجود مخلوقا كما أن جميع الحوادث مخلوقة ؛ لأن المخلوقات ما وقع عليه خلق الخالق وتقدير المقدر وتكوين المكون بعد ، إن لم يكن كذلك ، ولا يصح أن يكون الوجود وقع عليه إيجاد الموجود بعد ، إن لم يكن كذلك ، فيلزم عليه أن يكون عدما ، فيصير وجودا .

--> ( 1 ) القديم : يطلق على الموجود الذي لا يكون وجوده من غيره ، وهو القديم بالذات ، ويطلق القديم على الموجود الذي ليس وجوده مسبوقا بالعدم ، وهو القديم بالزمان ، وكل قديم بالذات قديم بالزمان ، وليس هذا سوى اللّه . [ المعجم الصوفي للدكتور عبد المنعم الحفنى ( 200 ) ] . ( 2 ) قال في التصوف الفلسفي ( ص 58 ) : إن التفرقة بين الحق والخلق هي تفرقة اعتبارية محضة ، فالوجود واحد هو الحق الذي يتجلى في لحظة فيما لا يحصى عدده من الصور ؛ إذ إن الخلق في تغير دائم مستمر ، أو على الدوام في خلق جديد ، بمعنى أن التجلي الدائم لم يزل ولا يزال ظاهرا في كل آن في صور الكائنات ، وهذا الظهور مع كثرته ودوامه لا يتكرر أبدا ، فالمخلوقات في كل لحظة تفنى ؛ أي تذهب صورتها لتظهر مثليتها في اللحظة التالية ، ويجب ألا أن نقول بوجود فاصل أو انفصال زمني ، بل زمان ذهاب الصور هو عين زمان وجودها الجديد .